عبد الله بن أحمد النسفي
204
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 261 إلى 262 ] مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ( 261 ) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 262 ) رؤوسهن كلّ جثة إلى رأسها وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ لا يمتنع عليه ما يريده حَكِيمٌ فيما يدبر لا يفعل إلا ما فيه الحكمة . ولما برهن على قدرته على الإحياء حثّ على الإنفاق في سبيل اللّه ، وأعلم أنّ من أنفق في سبيله فله في نفقته أجر عظيم وهو قادر عليه فقال : 261 - مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا بدّ من حذف مضاف ، أي مثل نفقتهم كَمَثَلِ حَبَّةٍ أو مثلهم كمثل حبّة أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ المنبت هو اللّه ، ولكن الحبة لما كانت سببا أسند إليها الإنبات كما يسند إلى الأرض وإلى الماء ، ومعنى إنباتها سبع سنابل أن تخرج ساقا ينشعب منه سبع شعب لكلّ واحد سنبلة ، وهذا التمثيل تصوير للأضعاف كأنها ماثلة بين عيني الناظر ، والممثّل به موجود في الدّخن « 1 » والذرة ، وربما فرخت ساق البرّة في الأرض القوية المغلة فيبلغ حبّها هذا المبلغ ، على أنّ التمثيل يصحّ وإن لم يوجد على سبيل الفرض والتقدير ، ووضع سنابل موضع سنبلات كوضع قروء موضع أقراء وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ أي يضاعف تلك المضاعفة لمن يشاء لا لكلّ منفق لتفاوت أحوال المنفقين ، أو يزيد على سبعمائة لمن يشاء ، يضعّف شامي ومكي « 2 » وَاللَّهُ واسِعٌ واسع « 3 » الفضل والجود عَلِيمٌ بنيات المنفقين . 262 - الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا هو أن يعتدّ على من أحسن إليه بإحسانه ويريه أنّه اصطنعه وأوجب عليه حقا له ، وكانوا يقولون إذا صنعتم صنيعة فانسوها وَلا أَذىً هو أن يتطاول عليه بسبب ما أعطاه ، ومعنى ثم إظهار التفاوت بين الإنفاق وترك المنّ والأذى ، وأنّ تركهما خير من نفس الإنفاق ، كما جعل الاستقامة على الإيمان خيرا من الدخول فيه بقوله ثُمَّ اسْتَقامُوا * « 4 » لَهُمْ أَجْرُهُمْ
--> ( 1 ) الدّخن : حب أملس يابس بارد حابس للطبع ، وقيل هو نوع من الذرة . ( 2 ) في ( ز ) يضعّف شامي ويضعّف مكي . ( 3 ) ليست في ( ظ ) . ( 4 ) فصلت ، 41 / 30 . الأحقاف ، 46 / 13 .